السيد محمد الصدر
255
شذرات من فلسفة تأريخ الحسين ( ع )
ولم تخنس الكوفة إلا في عهد عبيد الله بن زياد ، ونراها بعد أن أنقذها الله منه احتضنت التوابين ، بل أكثر التوابين هم منها فعلًا . كما احتضنت المختار الثقفي للأخذ بالثأر ، وكانت عاصمته إلى أن تسلطت عليها القسوة من جديد متمثلة بالحجاج الثقفي . وعلى أي حال فقد كانت هذه الكتب نتيجة طبيعية لهذا الاتجاه القوي بعد زوال المانع ووضوح ضعف الحكم الأموي آنئذ « 1 » . السؤال الثالث : لماذا يتوقف أمر الحسين ( ع ) على الذهاب إلى الكوفة ، بل كان يستطيع أن يعلن نفسه حاكماً على المنطقة التي هو فيها ، ثم يتصرف بعد ذلك من نقطة قوة ضد الحكم الأموي كما تقتضيه الأحوال . جواب ذلك من وجوه : الوجه الأول : إنه لم يكن من المناسب جداً أن يبدأ الناس بذلك ويعلن نفسه أميراً ، لأن أسهل ما يقال ضده حينئذ كونه محباً للإمارة وطالباً للدنيا . فالأمر كان متوقفاً على وجود المبادرة من غيره والطلب إليه في ذلك . في حين لم يحدث من هذا القبيل في المدينة والحجاز . الوجه الثاني : إن المجتمع في الحجاز لم يكن كالمجتمع في الكوفة أكيداً ، فإن الحجاز قد عاشت الخلافة الأولى على طولها ، وعاشرت العلماء
--> ( 1 ) يمكن أن يضاف إلى أطروحة أخرى وحاصلها : إن الحسين ( ع ) هو الذي حرّك القلوب لأجل الكتابة له لكي يأتي إلى العراق فتحصل الشهادة التي يتوقف عليها وصوله إلى المقامات التي وعد بها . وهذه الأطروحة أقرب إلى الذوق الباطني . وإشكالها الرئيسي : إن هذا قول بالجبر الذي لا نقول به . وجوابه : إنه يمكن أن يقال إنه أوجد الفكرة والدافع في نفوسهم مع حفظ الاختيار لهم . .